مبادرة المطوّر العقاري: رسالة انتخابية لا تُصاحبها ضمانات تنفيذية

مبادرة المطور العقاري وتلك المماثلة في المحافظات تحمل قيمة حقيقية إذا نُفذت بشفافية ومهنية؛ فهي قد تساهم بتحسين مستوى السكن للقطاعات الضرورية كالتربويين وتخفيف ضغط السكن في المدن، لكنها - كما تظهر ردود الفعل - تفقد جزءا كبيرا من جدواها إذا صارت مجرد رسالة انتخابية لا تُصاحبها ضمانات تنفيذية ومؤسساتية...

على عكس الفرحة التي غمرت الملاكات التربوية في كربلاء، ملايين من المراقبين اصابتهم خيبة امل جراء الوعود التي اطلقها الحكومية المركزية بشمول شريحة التربويين بمبادرة القطع السكنية، عبر بوابة "المطور العقاري"، فالشيء المُخيب للآمال هنا ان هذه الحكومة لا تختلف مع غيرها في إيهام جمهورها وتعزف على وتر الحاجة.

آلاف التربويين يحلمون بقطعة سكنية جراء ما قدموه من خدمة جليلة في تربية الأجيال الناشئة، بينما هنالك الكثير من الشرائح لا تؤدي أي خدمة اجتماعية او لنقل ان علمها لم يترك أثر على حياة الفرد وسلوكياته في المستقبل، وفي المقابل فأنها حظيت باهتمام الحكومة ووزعت عليها أراض سكنية.

وقد يكون التوزيع هو للخلاص من شر او تأثير هذه الشريحة، كشريحة الصحفيين على سبيل المثال.

بينما الشرائح الأخرى ومن بينهم الشريحة المذكورة (التربويين)، فهي قد عانت الإهمال الحكومي ولم تلتفت أي من الحكومات السابقة الى هذه المظلومية، سوى مبادرات محدودة لا تشكل شيئا على مسطرة القياسات.

وسط هذه الحالة من اليأس التربوي، جاءت مبادرات وتصريحات حكومية، تقول ان الخير قادم، وان التربويين سينعمون بخيرات هذا البلد، أكد ذلك العواجل التي تناقلتها وسائل الإعلام التي زفت البشرى السارة للمعلمين والمدرسين، بعد ان افرزت 14 ألف قطعة سكنية، وتعتزم توفير 60 ألف أخرى لشرائح مختلفة.

هذه المبادرات تُعرض على انها استجابة لحاجات محلية ملموسة في المحافظات، اهمها إسكان، بنى تحتية، مشاريع طاقة ومياه، ومبادرات بيئية، لكن الأكثر حظا من بين هذه المبادرات هي مبادرة حملت اسم "لمطوّر العقاري" الموجهة لتوفير أراض للتربويين في محافظة كربلاء.

هذا الإعلان رغم أهميته الظاهرية، لكنه اثار نقاشات شعبية وسياسية تتمحور حول توقيته وأهدافه وشفافية تنفيذه، لا سيما مع اقتراب نهاية عمر الحكومة الحالية، والبدء بمرحلة تسيير الاعمال، والدخول بمعترك العملية الانتخابية.

هذا الاطلاق يذكرنا بمبادرة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي وزع ارقام وسندات لشريحة ذوي الشهداء وضحايا الإرهاب، قبل سنوات من هذه اللحظة، والشيء المضحك ان المشمولين بها في وقتها، علقوا عند السماع بهذه المبادرة، بأنها النسخة الثانية من مسلسل الضحك على الشعوب.

هذا المسلسل ربما لم تنته حلقاته مع وجود انتخابات برلمانية، يتنافس فيها آلاف المرشحين مع تصاعد وتيرة المنافسة وصعوبة الاقناع الشعبي من قبل السياسيين.

ومع الإعلان الرسمي عن هذه المبادرة، عبر كثيرون عن شعور خيبة الامل التي اصابتهم ذلك لجملة من الأسباب، منها الشكوك التي تحوم حول مصداقيتها في التنفيذ بعد اجراء الانتخابات، وكذلك من هذه الأسباب الخبرات السابقة المتكونة لدى الجماهير الشعبية، بأساليب الحكومات المتعاقبة وعملية المراوغة التي تتبعها من المواطنين.

لا تأتي مبادرة المطور العقاري بمعزل عن نشاط حكومي أوسع، في الفترة نفسها طرحت الحكومة مبادرات ومشروعات في مجالات الطاقة والمياه وحماية الأنهار والبنى التحتية الوطنية، منها مبادرات إقليمية لحماية نهري دجلة والفرات ومشروعات طاقة كبيرة تهدف إلى تحسين الإمداد الكهربائي والاعتماد على الغاز المحلي.

هذا التنوع في المبادرات يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق والتخطيط المؤسساتي، فهل توجد خارطة طريق متكاملة تربط هذه المبادرات بعضها ببعض؟ أم أنها مبادرات متفرقة تستهدف خلق انطباع استثماري وسياسي سريع؟  

ولا تزال الشكوك تدور حول هذه المبادرة التي اطلقتها الحكومة، ومن دواعي هذه الشكوك، هي عدم نشر خطة زمنية واضحة ومفصلة للتنفيذ تتضمن مراحل محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس وإشراف جهات رقابية مستقلة، اضف الى ذلك عدم فتح قواعد بيانات علنية لبيانات المستفيدين ومعايير الاستحقاق وإجراءات الطعون لتفادي المحسوبية.

وأخيرا لم يتم فصل جهود التنمية الحقيقية عن الحملات الانتخابية، عبر وضع قواعد سلوكية واضحة للحكومة والأحزاب تمنع تحويل المساعدات العامة إلى أدوات دعاية.

مبادرة المطور العقاري وتلك المماثلة في المحافظات تحمل قيمة حقيقية إذا نُفذت بشفافية ومهنية؛ فهي قد تساهم بتحسين مستوى السكن للقطاعات الضرورية كالتربويين وتخفيف ضغط السكن في المدن، لكنها - كما تظهر ردود الفعل - تفقد جزءا كبيرا من جدواها إذا صارت مجرد رسالة انتخابية لا تُصاحبها ضمانات تنفيذية ومؤسساتية. 

اضافة تعليق


التعليقات

احمد ماجد
اليمن
الذهب المعدن الجميل
أحمد ماجد الجمال
On أغسطس 10, 2025
Share




الذهب هو (عنصر كيميائي) والذي نراه اليوم ونستخدمه هو ذهب محول من خامته الطبيعية يتميز عن المعادن الأخرى بشكله اللامع الجميل ولا يتفاعل مع الهواء والقلويات ولا يتآكل ولا يتشوه سهل التشكيل وجميل المنظر وهو من أوائل المعادن التي جذبت انتباه الإنسان وله مكانة مرموقة في تاريخ البشرية ويميلون إليه دون المعادن الأخرى لأنه يتمتع بقيمة، وأهمية كبيرة واستثنائية وشهرة عالمية ولا تزال نماذج من أعمال الذهب المتقنة العديد منها في حالة جيدة، باقية من الحضارات القديمة ومنها الحضارة اليمنية وبفضل مزاياه الفريدة أصبح مفضلاً للغاية في صناعة المجوهرات وغيرها من التحف الزخرفية ولقدرته على الاحتفاظ بالقيمة على مر الأزمان فعلى مدى قرون كان يعتبر وحدة قياس للقيمة ووسيلة للتبادل التجاري لقابليته على التخزين والحفاظ على قيمته على المدى الطويل فقد مثل قوة الاقتصاد في العصور السابقة، لذلك فهو معدن ثمين ومميز لمكانته الفريدة في عالم الاقتصاد ولخصائصه الجوهرية وأهميته التاريخية فهو المعدن الفريد والنفيس والمرغوب به منذ الأزل.
وحتى الآن لايزال الذهب مادة مقبولة حول العالم مما يجعله اختياراً شائعاً للذين يسعون للحفاظ على ثروتهم ومخزناً للادخار في شكل عملات معدنية أو سبائك كما لايزال مقبولاً لدى جميع الدول كوسيلة دفع عالمية وبنفس الآلية القديمة حيث كان يتم به التبادل مقابل السلع والخدمات فقد لعب الذهب دوراً رئيسياً كعملة ذات فئات كبيرة ونوع العيار الذي يقصد به مقياس نقائه سواء كان قطعة مجوهرات أو سبيكة.
وعند استخدام العملات الورقية احتفظت بصلة قوية مع الذهب من خلال ما يعرف بقاعدة الذهب (وهي نظام نقدي يقوم على استخدام الذهب كقاعدة أو معيار لتحديد قيمة العملة الورقية لدولة ما من خلال ربطها بكمية ثابتة من الذهب وكان يتم تحويل العملات المحلية بحرية إلى كمية محددة من الذهب بعد اعتماد سعر ثابت لبيع الذهب وشرائه) حيث أصبح العمل بهذه القاعدة داعماً رئيسياً لأنظمة العملات الورقية عندما انتشرت على نطاق واسع منذ سبعينيات القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى على الرغم من التراجع الكبير لدور الذهب الرسمي في النظام النقدي الدولي بحلول سبعينيات القرن العشرين.
إلا أن معظم دول العالم استمرت تحتفظ به كأصل احتياطي ذي قيمة عالية، حيث يعتبر الذهب أصلاً أكثر أماناً في أوقات عدم اليقين الاقتصادي للحيلولة دون وقوع المحذور في الاقتصاد لقدرته في الاحتفاظ بقيمته إلى حد كبير، حيث تتناسب قيمته عكسياً مع قيمة العملة، فعندما تزيد قيمة العملة في الأسواق العالمية تقل قيمة الذهب والعكس صحيح فعندما تنخفض قيمة العملة في الأسواق العالمية ترتفع قيمة الذهب هنا يكون قد حافظ على قيمة رأس المال من دون خسارة قيمتها الشرائية.
وفي ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية تسعى البنوك المركزية إلى استحواذ كميات كبيرة منه وخصوصا في الفترة الأخيرة شهدت موجة غير اعتيادية من شراء الذهب الذي يعتبر تحولاً استراتيجياً يعكس مستوى عال من الحذر ورغبة متزايدة في حماية الاحتياطيات النقدية ومدفوعة من مخاوف ومخاطر تقلبات الأسواق العالمية المتعددة لأنه يمنح ميزة استراتيجية حيث يبقى تحت سيطرة الدولة المالكة مهما كانت الظروف والمتغيرات الاقتصادية وغيرها من التغيرات ما يجعله أداة فعالة لتحقيق الاستقلال المالي.
أما الطلب عليه من قبل أفراد المجتمع فهو مستمر على مر العصور باعتباره أداة للادخار والاستثمار الجيد لجميع أفراد المجتمع بكل مكوناته وأنشطته العملية أو التجارية على حد سواء لكونه يتميز عن الكثير من العملات والسلع بغلاء ثمنه وسهولة حمله ويعتبر بمثابة عملة دولية يمكن بيعها في أي مكان من العالم بدون التعرض لخطر التذبذب الذي تواجهه العملات الورقية ورمز هام للمكانة الاجتماعية، مثال ذلك في حفلات الخطوبة والزواج واللقاءات الاجتماعية بشكل كبير في معظم الثقافات كما أصبح مكوناً أساسياً في العديد من المنتجات الإلكترونية والتقنية وحتى في المجال الطبي والرياضي من خلال سك ميداليات ذهبية.
إنما الإشكالية تكمن في اعتباره مورداً محدوداً والتوقع انه في مرحلة ما لن يتبقى منه أي شيء لاستخراجه فتكلفة استخراجه من المناجم حاليا تعتبر كبيرة جدا مما يجعل سعره مرتفعاً.
لكن الأمل يأتي في التقدم العلمي والتقنيات الجديدة التي تشهدها البشرية في الوقت الحاضر والتي تشمل أحدث الابتكارات للبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي واستخراج البيانات الذكية والتي يمكن أن تدفع بعمليات الاستخراج وتقل التكاليف فقد تم استخدام الروبوتات في بعض مواقع في بعض البلدان المتقدمة ومن المتوقع أن تصبح تقنيات قياسية في استكشاف مناجم الذهب بشكل متزايد تساعد باستمرار استخراج بعض الاحتياطيات المعروفة التي يعتبر الوصول إليها واستخراجها حاليا غير مجد اقتصاديا.
باحث في وزارة المالية2025-09-26