الفيدرالية في العراق بين المطلب الدستوري والاجتهادات السياسية

طرح فكرة الفيدرالية في هذا الوقت على الرغم مما يحمله من ايجابيات كثيرة إلا انها تحمل في طياتها ثغرات كثيرة، ومن بين تلك الثغرات في هذا المشروع انه سوف يفتح الطريق أمام محافظات كثيرة لتكوين أقاليم على غرار اقليم كردستان، مما سيؤدي إلى فوضى او أزمة...

تعد الفيدرالية من أهم القضايا السياسية المهمة والمعقدة والحساسة في الواقع السياسي العراقي ما بعد عام 2003، ونقول اهم القضايا المهمة كونها دستورية مثبتة في دستور العراق الدائم لسنة 2005، ونقول معقدة لكون النقاشات والتفسيرات والتأويلات حولها كثيرة ومتباينة بين من يؤيد تطبيقها وبين من يرفضها وبين من يتحفظ على اقامتها في الوقت الحاضر.

بالرغم من الاجماع على دستورية النظام الفيدرالي في العراق حيث اشارات مواد دستورية كثيرة على وجود النظام الفيدرالي وآليات تشكيله الا ان التوجه السياسي لدى اغلب الكتل السياسية الممثلة لمناطق الوسط والجنوب رافضة لتطبيقها في الوقت الحالي كونها حسب رأيهم تهدد وحدة العراق، ولكن المفارقة ان آرائهم حولها في بداية التغيير عام 2003 وحتى في فترة كتابة الدستور عام 2005 كانت اراء داعمة لوجود الفيدرالية بل هناك ترويج سياسي داعم لها وتأكيد على اهمية الفيدرالية لغرض ضمان عدم عودة المركزية التي كانت تدير العراق طيلة السنوات السابقة، والعكس هو الصحيح حيث ان اغلب الكتل السياسية والجماهير الشعبية، والتي تمثل مناطق شمال وغرب العراق (المناطق المحررة)، كانت رافضة بالمطلق لوجود الفيدرالية بل روجت ضد وجودها ورفضت الدستور عام 2005 لأنه تضمنها، ولكن اليوم تغيرت القناعة بضرورة الفيدرالية كونها الضامنة لحقوق المكونات والمشاركة الحقيقية في الحكم.

وبغض النظر عن الآراء السياسية يبقى الدستور هو الوثيقة العليا والاسمى والتي يجب ان تطبق بشكل حرفي دون انتقاء مواد دون اخرى، ولمن لديه ملاحظات حول وجود بعض المواد والفقرات عليه ان يطبقها اولاً بعد ذلك يعمل على تعديلها، ولكن ازمة التعديل في الدستور العراقي لسنة 2005 كبيرة ومعقدة كون الاشتراطات التي وضعت للتعديل جعلت منه دستور جامد غير قابل للتعديل بسهولة ويسر.

مما لاشك فيه أن النظام الفيدرالي بشكل عام اثبت نجاحه في العديد من الدول المتقدمة في العالم، إلا أن المعايير التي تقوم عليها النظم الفيدرالية المعروفة والمألوفة في عالمنا المعاصر تقوم في الغالب على أساس جغرافي وليس على أساس قومي عنصري ولا على أساس ديني طائفي، لذلك تشكيل الاقاليم من محافظات ذات تنوع ديني وقومي وطائفي سوف يكون اكثر مقبولية من الاقاليم التي تتشكل في محافظات خالية من التنوع.

الدستور العراقي الدائم لعام 2005 مثلما ذكرنا سابقاً أشارت المادة الأولى منه إلى إن جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني)، ديمقراطي اتحادي وكذلك أشارت المادة (116) منه إلى انه يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية، وفي مادته (119) اكد على إمكانية إقامة لكل محافظة أو أكثر إقليماً بناءً على طلب بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى الطريقتين: إما بطلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، واستنادا إلى ما جاء في المادة (1)، (116)، (119) من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005، تصبح إمكانية إقامة العراق الفيدرالي دستورية مهما حاول البعض ان يجد تفسير مغاير، ومهما حاول البعض ان يتخوف من تبعات اقامة الاقاليم.

وهنا لابد من التوضيح ان الدستور العراقي لسنة 2005 قد اعطى خصوصية لإقليم كردستان الذي اعتراف بوجوده من حيث المبدأ (المادة 117)، فهو لم يحدد طرق تشكيله بل تعامل مع وجوده القائم قبل التصويت على الدستور، فضلا عن ذلك الدستور تحدث عن مؤسسات دستورية داخل الاقليم وسلطاته القائمة.

السؤال الابرز هل الطريق سالك امام تشكيل الاقاليم في العراق الان على غرار اقليم كردستان؟، دون ادنى شك ان لكل مشروع سياسي يراد أن يقام لابد أن يكون أمامه جملة من الصعوبات قد يستطيع التغلب عليها أو العكس حسب القائمين على المشروع، لاسيما إن أمام مشروع إقامة الدولة الفيدرالية في العراق الجديد، حيث إذا ما انتظمت كل محافظة او اكثر في إقليم فدون شك إقامة هذا الإقليم يحتاج إلى كفاءات إدارية، إذ تصبح المحافظة بمثابة دولة وهذا يتطلب وزارات ودوائر بمختلف الاختصاصات، مما يرهق الإقليم ويشتت ثروة البلد ويهدرها، عندئذ تكثر الأخطاء والهفوات عند أصحاب القرار، ولا نغفل إن المحافظات على العموم تعاني من نقص في الكفاءات الإدارية، وهو السبب الرئيس في فشل الإدارة فيها، ومن ثم فشل كثير من المشاريع وغياب المشاريع التنموية الستراتيجية.

وهذا الرأي يتحفظ عليه الكثير من المهتمين بالشأن السياسي العراقي المعاصر، على اعتبار إن العراق بجميع محافظاته لا يعاني من نقص بالكفاءات الإدارية على العكس، بل إن ما يعانيه العراق هو عدم تطبيق قاعدة (الشخص المناسب في المكان المناسب).

وفي خاتمة القول، لابد من التأكيد على إن طرح فكرة الفيدرالية في هذا الوقت على الرغم مما يحمله من ايجابيات كثيرة إلا انها تحمل في طياتها ثغرات كثيرة، ومن بين تلك الثغرات في هذا المشروع انه سوف يفتح الطريق أمام محافظات كثيرة لتكوين أقاليم على غرار اقليم كردستان، مما سيؤدي إلى فوضى او أزمة ليس لكون المطلب غير دستوري بل العكس لكن كون الوقت غير مناسب في طرحه، فضلا عن إن تشكيل هذه الأقاليم لا يتناسب أصلا مع حجم مساحة العراق الصغيرة بالقياس مع الدول الأخرى (تركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر)، بل إن حجم بعض المحافظات صغير جداً من الناحية الجغرافية فضلا عن افتقارها إلى الكثافة السكانية المطلوبة لإنجاح مثل هذه التجربة.

بمعنى ان المخاطر من تطبيق النظام الفيدرالي موجودة فعلياً، ولكن في نفس الوقت لا يوجد مبرر او مسوغ قانوني لغرض اخضاع المواد الدستورية الى اجتهادات سياسية قد تؤدي زعزعة الثقة بكل العملية السياسية التي اسست على الدستور، كون ان الدستور اما ان يؤخذ به ويطبق بشكل كامل او يترك ويعلق العمل به، لذلك اصبح لدينا خياران احلاهما مر، اما ان نأخذ بالدستور ونتحمل تبعات تشكيل الاقاليم او نعلق العمل بالدستور لغاية ايجاد دستور جديد يكتب بشكل جديد يتناسب مع التطورات التي شهدها العراق بعد مرور اكثر من عشرين عام على التغيير السياسي، حيث ان الكثير من القناعات تغيرت والكثير من الافكار تبدلت والكثير من الاهتمامات قد تراجعت.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2024 Ⓒ

http://mcsr.net

اضافة تعليق


التعليقات

مريم شمس الدين
لبنان
نص من عمق الواقع وقضية لا بد من الحديث عنها عسى ولعل نجد الطريق يوما إلى حل مشكلات المرأة2024-03-09
سمارا البياتي
أحسنت ربط الموضوع بامرأة الفلسطينية العزة عاش أناملك2024-03-09
مريم شمس الدين
لبنان
نص من عمق الواقع وقضية لا بد من الحديث عنها عسى ولعل نجد الطريق يوما إلى حل مشكلات المرأة2024-03-09
أوس ستار الغانمي
العراق
أود أن أعبر عن شكري العميق وتقديري الكبير لشبكة النبأ المعلوماتية على نشر التقرير المهم بعنوان "في يوم العالمي للمرأة: إنجازات قيد الانتهاكات". تعتبر هذه الخطوة محورية في تسليط الضوء على التحديات التي تواجهها النساء حول العالم، وتعزز الوعي بضرورة تحقيق المساواة واحترام حقوق الإنسان.2024-03-09
Mina Aljuboury
مقال ممتع وتحليل جميل
عجبني تسليط الضوء على المرأة الفلسطينية بشكل خاص
ووصف حالة الذعر والقهر والاضطهاد الي دتتعرضله المرأة2024-03-09
شهلاء الربيعي
صحت الأنامل، بالمناسبة حقوق المرأة والمساواة وصلت الذورة وأصبحت عالمه وقاضية وزيرة و رائدة فضاء وخصوصًا القانون العراقي أعطاها فرص كثيرة للتمرد اغلب نساء استغلت فرص المساواة.. اسأل الله لك التوفيق.2024-03-09
أبو سيف
اولاً وجهة نظري ان المرأة لا تحتاج إلى يوم فهي في كل الأيام كما الرجل ، وتكريمها يتم على مدار الساعة لمن يحترم نفسه اولاً لأنها الأم والأخت والزوجة والبنت ،
والشيء الآخر جنباتك تقارن امرأة في زمن الحروب مع امرأة في زمن السلم ، في الحروب كل شيء يباح كل شيء يباح كل شيء يباح ! ولا تصدق بوجود حقوق للإنسان مهما كان في الحروب ،
المرأة الفلسطينية وكل العربيات والمسلمات عانت الكثير ولم ينصف العرب ولا المسلمين لا المرأة ولا الرجل.2024-03-09
الحقوقية زينب الكعبي
عاشت الأيادي رغم اختصار واقتصار الموضوع، اختصار لان الحديث عن المرأة يطول ويتنوع، واقتصار على المرأة الفلسطينية، ممكن التطرق إلى تقيم الحياة الزوجة وانتهاك حرمة المرأة العراقية والأسرة بالكامل حسب نسب الطلاق المبالغ بها، اتمنالك التوفيق.2024-03-09
أ. م معتز حميد خلف
منشور حقيقي مع الاسف نحتفل بيوم المرأة والمفترض يكون يوم غزه اي امرأة واي حقوق وهناك تنتهك الاعراض.2024-03-09
الحقوقية زينب الكعبي
عاشت الأيادي رغم اختصار واقتصار الموضوع، اختصار لان الحديث عن المرأة يطول ويتنوع، واقتصار على المرأة الفلسطينية، ممكن التطرق إلى تقيم الحياة الزوجة وانتهاك حرمة المرأة العراقية والأسرة بالكامل حسب نسب الطلاق المبالغ بها، اتمنالك التوفيق.2024-03-09